ads
ads

أحاديث يناير: عودة إلى نظرية الستين سنة

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي


تقول رواية متواترة إن الطالب «جمال عبدالناصر» لعب دور «يوليوس قيصر» فى مسرحية «وليام شكسبير»، التى تحمل الاسم نفسه على مسرح مدرسته الثانوية.

لم يكن ممكنا لمن شاهدوا ذلك العرض المسرحى أن يخطر ببالهم أن الطالب الذى يمثل دور «يوليوس قيصر»، أو يصرخ متألما بعبارته الشهيرة: «حتى أنت يا بروتس» سوف يلقى مصيرا مماثلا فى مقبل الأيام، حين يتنكر له بعض رجاله ويطعنون فيه، أو يجرى الانقلاب على مشروعه من داخل نظامه.

رغم انقضاء الأزمان والرجال تتأكد قوة حضور «عبدالناصر» فى السجال العام، وهذه ــ بذاتها ــ شهادة على عمق أثره وإرثه.
لا يصح لأحد أن يتحدث عن استنساخ تاريخ، أو استعادة تجربة.

الاستنساخ فعل انقلاب على جوهر تجربته، وهو وهم كامل إذ يستحيل أن تقيس تحديات عصر على عصر آخر.
أمام عالم جديد يتبقى من التاريخ دروسه الأساسية وأفكاره وقيمه، التى صاغت مشروعات بعينها.
قوة أى مشروع فى قدرته على بناء أفكار وتصورات وسياسات جديدة وفق قيمه الرئيسية بالنقد والتجديد والإضافة، وإلا فإنه يدخل فى موت سريرى لا قومة منه.
تختلف المقاربات والسياسات باختلاف العصور.

المشروعات التاريخية الكبرى ليست نصوصا ولا دراسات أكاديمية، وإنما تفاعل بين الفكر والواقع.
استوعب «عبدالناصر» فى مشروعه أفضل ما كان مطروحا من خيارات عصره، دمج التحرر الوطنى بالالتزام القومى العربى وبفكرة التغيير الاجتماعى والانحياز للطبقات الفقيرة.

كانت العدالة الاجتماعية صلب قاعدة شرعيته؛ حيث تعلقت باحتياجات البشر فى الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وقبل ذلك الحق فى العمل وفى عائد الناتج القومى، أن يكون إنسانا كريما فى وطنه وآمنا على مستقبله.
وكانت توجهاته العروبية أفق حركته فى محيطه.
أية توجهات تكتسب قيمتها من مستويات التزامها.

هناك حاجة حقيقية على مستوى الفكر إلى دمج قيم التعددية والديمقراطية السياسية وحقوق الإنسان، لا تحتمل أى التواء فى صلب المشروع الناصرى.

قيم المشروع وحدها هى التى تربط بين الإرث والمستقبل، حتى يكون ممكنا أن يقف من جديد على أرض صلبة.
«يوليو» لا تمثل نظرية يقاس على نصوصها بقدر ما تلخص مشروعا يقاس على قيمه.
بصورة أو أخرى فإن هناك سؤالين متداخلين، كل منهما ينتمى إلى ثورة.
الأول «يوليو» وسؤالها فى العدالة الاجتماعية، وهذه مسألة شرعية فى بلد أنهك شعبه.
والثانى «يناير» وسؤالها فى الحرية السياسية، وهذه مسألة قواعد الخروج عنها صدام مع العصر.
إنكار العدالة الاجتماعية انتقاص من فكرة الحرية نفسها.

الكلام المرسل عن العدالة الاجتماعية أثناء ثورة «يناير» سهل على الأيدى الخفيفة أن تلتقطه، وتذهب به إلى حيث تريد.
عندما افتقدنا تراكم التاريخ خسرت فكرة الثورة اتصالها بحقائق مجتمعها وتاريخها، وأفقدت نفسها مرجعيات ترشد دعوتها إلى العدالة الاجتماعية من واقع تجربة مصرية معاصرة.

فى بداية عهد «حسنى مبارك» بعد اغتيال سلفه «أنور السادات» نجح فى وضع كمادات ثلج فوق الرأس المحموم، لكنه مال بالوقت إلى جمود طويل لا صلة له بدعاوى الخمسين سنة حسب التعبير الذى تردد مطلع القرن.
بعد ثورة «يناير» بما تمثله من تطلع للالتحاق بالعصر عاد الكلام مجددا عن «يوليو» من منظور جديد.
هناك من حاول أن يصور «يناير» كأنها ثورة على الستين سنة التى تلت «يوليو»، بزعم لا يمكن إثباته أنها حقبة سياسية متصلة، شرعية واحدة ونظام واحد.
كان ذلك استخفافا بحقائق التاريخ وهزلا فى مقام الجد.

بحيثيات جديدة أضيفت سنوات أخرى إلى تلك الدعاوى، من بينها تحميله مسئولية ما أطلق عليه «حكم العسكر».
بحركة الزمن يمكن توقع إضافات جديدة تمنع التعرف على مناطق القوة والضعف وفرص التصحيح والتجديد، كأن يحمل «عبدالناصر» مسئولية «السبعين سنة»، ثم «الثمانين سنة».. وهكذا بلا نهاية دون إدراك لمغبة ذلك على سلامة النظر إلى المستقبل.

من طبائع الأمور أن تختلف التقديرات السياسية بشأن الأحداث الكبرى وأدوار الثورات وإرثها فى حياة الشعوب، غير أنه لا يصح أن تمضى بعض التقديرات إلى حد إهدار الذاكرة الوطنية، وإطلاق أحكام تفتقر إلى أدنى احترام لوقائع التاريخ الثابتة، مستبدة بها ثأرات تاريخ أو أفكار.

بقوة التاريخ المشترك ثورة «يوليو» إرث عام، لا يخص تيارا سياسيا دون آخر، ولا جيلا دون آخر ومن حق جميع الأطراف الوطنية أن تبدى وجهة نظرها فيها، وأن تختلف معها فى موضع أو آخر، لكن بشرط ألا تزيف التاريخ وحقائقه الأساسية، أو أن تقول كلاما عاما مرسلا لا يستند إلى دليل أو منطق.

ثورة «يوليو» انتهت تماما فى السبعينيات، والرئيس السابق «أنور السادات» يعلن نهاية «الشرعية الثورية» والانتقال إلى «الشرعية الدستورية».

لم يكن «السادات» جادا فى الالتزام بالدستور وقواعده الملزمة، وكان اعتقاده أن الدستور يحكم من بعده، وأنه آخر الفراعين الذين لا يحكمهم دستور!

أنهيت الشرعية الثورية دون أن تتأسس شرعية دستورية.
جرى التلاعب بالدستور على نحو أفقده احترامه، وكان ذلك من علامات النهاية.
استخدمت الثورة أدوات الدولة لإحداث أكبر تغيير اجتماعى.
بنفس الأدوات جرت الثورة المضادة.
إرث «يوليو» الوطنى والاجتماعى تقوض تماما وإرثها فى إدارة الدولة وتأكيد سطوتها امتد بعدها.
الانقلاب على «يوليو» وشرعيتها وإنجازاتها وخياراتها الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية لم يلحقه انقلاب على طبيعة النظام السياسى، بصورة تسمح بانتقال واسع لدولة مؤسسات حقيقية، يحكمها القانون والتوازن بين السلطات.
كأى نظام ثورى فهو فعل استثنائى انتقالى، قاد أوسع عملية تغيير فى البنية الاجتماعية، وأخرج طبقات رئيسية إلى الحياة وتطلعاتها فى التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وحقوق العمل وتكافؤ الفرص، وخاض فى الوقت نفسه معارك مفتوحة فى إقليمه وعالمه، ودخل حروبا طاحنة فى الصراع على المنطقة.

لا يصح أن نحاسب الثورات بغير قوانين حركتها، أو بأهداف غير التى تبنتها، أو خارج السياق الذى عملت فيه والعصر الذى احتضن تفاعلاتها.

هذه هى الأصول العلمية فى النقاش العام، أما إهدارها واعتبار كل ما جرى بعدها يدخل فى مسئوليتها، ففيه اعتداء صارخ على الحقائق الرئيسية التى ترتبت على الانقلاب عليها، وفيه تحميل للثورة بأكثر مما تطيقه الحقائق، فالثورة انتهت منذ عقود طويلة، وشرعيتها طويت صفحاتها، والنظم التى تلتها انقلبت على خياراتها السياسية والاجتماعية والاستراتيجية.

بعض الكلام ينطوى على تعميم عشوائى دمج بين نظم وعصور متناقضة وأغلبه استهدف التشهير بالتاريخ لإغلاق صفحة «عبدالناصر»، وما تمثله من قيم أهدرت وأحلام أجهضت.

نقلًا عن «الشروق»

ads