ads

ماذا بعد الحكم بالبراءة فى قضية التمويل الأجنبى؟

زياد بهاء الدين
زياد بهاء الدين
زياد بهاء الدين
ads


بصدور حكم محكمة جنايات القاهرة الأسبوع الماضى ببراءة جميع المتهمين فيما عُرف بقضية التمويل الأجنبى، والتى سبق الحكم فيها عام ٢٠١٣ بإدانة ٤٣ متهما معظمهم من الأجانب قبل أن تعيدها محكمة النقض مطلع هذا العام للمحاكمة مرة أخرى، فإن الستار يكون قد انسدل على واحدة من أكثر القضايا جذبا للاهتمام الاعلامى والانتقاد الدولى فى السنوات الأخيرة.

الاهتمام والانتقاد الدوليان كانا لعدة أسباب: أن بين المتهمين عددا من الأجانب العاملين فى منظمات دولية معروفة، وأن الجمعيات التى اتُهمت بتلقى التمويل الأجنبى دافعت عن موقفها بأنها كانت تعمل بعلم الدولة المصرية، وأن المتهمين الأمريكيين خرجوا من البلد فى فبراير ٢٠١٢ بينما الدعوى لا تزال ماثلة أمام القضاء وعلى متن طائرة أمريكية هبطت خصيصا لاصطحابهم بعد ساعات من إصدار المحكمة قرارا برفع حظر السفر عنهم. لهذا فإن غلق هذا الملف نهائيا يَصْب فى مصلحة مصر ويرفع عنا ضغطا وحرجا دوليا خاصة أنه صدر عن جهة قضاء ذات مصداقية.

ولكن برغم أن الحكم الأخير ببراءة المتهمين قد اسدل الستار على هذه القضية الخلافية، الا أنه فى الواقع لا يجب أن يكون نهاية المطاف، بل ينبغى أن يمثل نقطة البداية لمراجعة جادة وشاملة لأوضاع قانونية تراكمت عبر السنوات الماضية فيما يتعلق بالنشاط الأهلى عموما وبالجرائم المرتبطة به على وجه الخصوص.

وبدون هذه المراجعة فإن الترحيب الدولى بالحكم الأخير سوف يتراجع بعد حين ويحل محله الاتهام بأن الدولة تكيل بمكيالين، وهو ما لا يقبله أى مصرى غيور على مصلحة بلده وعلى سمعة نظامنا القانونى وقضائنا المستقل.

تحديدا فإن الحكم الأخير ومن قبله حكم محكمة النقض يمهدان للخطوات التالية:
أولا: إن الأمل معقود على صدور أحكام مماثلة فى القضايا الجارية المشابهة والمرفوعة ضد متهمين مصريين نظرا لأن الاتساق والتناغم بين الأحكام القضائية الصادرة من المحاكم المختلفة بشأن حالات متماثلة من أهم معايير الانضباط القضائى والاستقلال فى النظم القانونية المعاصرة.
ثانيا: العفو عمن صدرت ضدهم بالفعل أحكام بالإدانة فى جرائم مماثلة لتلك التى جرى الحكم فيها بالبراءة الأسبوع الماضى وحفظ التحقيقات الجارية ضد المتهمين بمخالفة قانون الجمعيات، كى لا تكون هناك تفرقة أو تمييز بين من تماثلت اوضاعهم القانونية بغض النظر عن جنسياتهم أو حجم الاهتمام العالمى بأحوالهم.

ثالثا: الانتهاء سريعا من إصدار القانون المرتقب بشأن الجمعيات الأهلية بناء على طلب السيد رئيس الجمهورية بما يعيد الثقة للمجتمع المدنى ويمنح الأمان للعاملين فى الجمعيات والمؤسسات الأهلية ويضع اطارا قانونيا متوازنا بين حماية الأمن القومى وبين تمكين المجتمع الأهلى من أداء دوره الحيوى فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية حقوق المواطنين.

وفِى هذا الصدد فإن هناك اتفاقا واسعا بين المعنيين بهذا القانون على ضرورة ألا يتضمن عقوبات سالبة للحرية، ليس تشجيعا للفوضى أو الإرهاب أو التدخل الأجنبى، بل لأن هذه الجرائم كلها مؤثمة بالفعل ومعاقب عليها فى قانون العقوبات دون حاجة للتداخل بين النصوص القانونية.

رابعا: وقف حملات تهديد العاملين فى النشاط الأهلى بتحقيقات واتهامات يجرى التلويح بها فى الاعلام من وقت إلى آخر بما أدى إلى تعثر هذا النشاط وحرمان الناس من الاستفادة بخدماته وموارده فى أشد وقت يحتاجون فيه لكل الموارد والجهود التى تخفف عنهم عبء الغلاء وضعف الخدمات العامة.

خامسا: إلغاء أو على الأقل اعادة النظر فى باقى القوانين المقيدة للنشاط الأهلى والنقابى والاعلامى والتى صدرت أخيرا بنفس الأسلوب الانفعالى الذى صدر به قانون الجمعيات الذى جلب لمصر ضررا بالغا، واستكمال الخطوة الإيجابية التى اتخذتها الدولة بإعادة فتح المناقشة حول قانون الجمعيات بالعمل على تنقيح القوانين الاخرى المرتبطة بذات الموضوع.

هذه خطوات ضرورية ليس فقط لتحقيق الانسجام والاتساق بين أحكام المحاكم المختلفة وتطبيق القانون بلا تمييز أو محاباة، وإنما أيضا لبناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع المدنى باعتباره شريكا فى البناء والتنمية وليس معولا لهدم الدولة وتهديد استقرارها على نحو ما راج فى السنوات الاخيرة وتسبب فى تعطيل مساهمته فى التنمية والبناء وفى الاساءة لصورة مصر فى الخارج.

نقلًا عن "الشروق"