رئيس التحرير
خالد مهران

شكري عبد الحميد يكتب: أنجيلا ميركل.. المرأة الحديدية التي أحبها الجميع وخسرها الجميع

الاعلامي شكري عبد
الاعلامي شكري عبد الحميد


أنجيلا ميركل سيدة ألمانية شأنها شأن باقي السيدات شقّت طريقها للصعود للمجد من أول السلّم كطالبة دارسة للكيمياء عام ١٩٨٩في ألمانيا الشرقية ..ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم حققت معجزات حتى وصلت إلى أعلى منصب سياسي في ألمانيا لم تحققه سيدة من قبل لتثبت أن الإنسان عموما والمرأة خصوصا حين يضع هدفا أمامه ويسعى إليه بكل جدية يتحقق مايريد بل ويزداد طموحا .. وهاهي أنجيلا ميركل التي تطوي صفحة خالدة من تاريخها السياسي بعد بعد ثلاثين عاما من الكفاح السياسي ستظل بلادها تذكرها في صفحات تاريخها كصفحة ناصعة البياض فبإعلان المستشارة الألمانية ميركل الأحد ٢٨ أكتوبر ٢٠١٨ عزمها التخلي عن منصبها كزعيمة لحزب الاتحادالمسيحي الديمقراطي وعدم الترشح لهذا المنصب في ديسمبر المقبل وأيضا عن منصبها كمستشارة لألمانيا بانتهاء ولايتها الحالية في عام ٢٠٢١بعد ١٨ عاما فيه عن جدارة ، تبدأ ألمانيا مرحلة جديدة في تاريخها السياسي وتبدأ أيضا في البحث عن شخصية قوية جديدة لتولي هذين المنصبين الهامين الذين سيقود صاحبهما ألمانيا لفترة سياسية جديدة بعد عام ٢٠٢١ بل وسيقود مع فرنسا الاتحاد الأوروبي في هذه الفترة أيضا ..



وبالتالي ينتظر المؤتمر العام لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في ديسمبر القادم شخصية جديدة للترشح لهذا المنصب ، ويطرح ذلك تساؤلا هل ستكون هذه الشخصية سيدة مرة أخرى أم رجل يعيد إلى الأذهان شخصيات المستشار الألماني القوي أيضا أمثال أديناور وهلموت كول ..؟



استمرت ميركل في منصب المستشارة ١٦ عاما بنهاية ولايتها عام ٢٠٢١ شأنها شأن معلمها في السياسة المستشار الأسبق هلموت كول الذي كانت له عين ثاقبة في اختياره لها كزعيمة للحزب ثم كمستشارة بعد أن تنبأ لها بذلك وهي مازالت عضوا في الحزب بعد انخراطها في العمل السياسي ..



قرار أنجيلا ميركل باعتزال السياسة عموما جاء بعد انتكاسة حزبها الاتحاد المسيحي الديمقراطي مؤخرا في النتخابات المحلية في أسبوعين وآخرها في ولاية هيسّن الأحد الماضي ٢٨ أكتوبر موعد إعلان قرارها لتُثبت به عكس ماردده الكثيرون في ألمانيا وأوروبا أنها المستشارة الأبدية لألمانيا ولتفسح الطريق أمام شخصية جديدة تقود البلاد ربما أحسن منها ..



ويبدأ طريق ميركل اعتزال السياسة على مرحلتين :



الأولى : في ديسمبر المقبل حيث لن تترشح مرة
أخرى لزعامة حزبها المسيحي الديمقراطي .



الثانية : في نهاية ولايتها كمستشارة عام ٢٠٢١ ستترك 
المنصب ولن تترشح بعد عدم ترشحها لزعمة الحزب بالطبع .



ووقفت ميركل طوال تاريخها السياسي أمام عواصف سياسية كثيرة كادت أن تقضي على مستقبلها لكنها في النهاية رضخت أمام النتائج السيئة لحزبها في ولاية هيسّن والتي هزّت مضاجعها وكان من الممكن أن تسعى بالقول والعمل لمعالجتها ، لكنها كمعلّمها هلموت كول نظرت لمستقبل بلادها وحزبها ورأت ضرورة التخلي عن مناصبها وقيام شخصية جديدة بأفكار جديدة تقود في المرحلة القادمة وأقرّت بمسئوليتها تجاه ماآلت إليه الأوضاع داخل حزبها ولتكتفي بماقدمته من إنجازات صعدت بحزبها وبألمانيا لمصاف بلاد العالم سياسيا واقتصاديا :
- حيث وقفت وراء قرارات مهمة وشجاعة مثل تشجيع هجرة اللاجئين السوريين ودخولهم ألمانيا بدافع إنساني جعلهم يطلقون عليها ماما أنجيلا .



-واجهت الأزمة المالية الكبرى التي هددت السياسات النقدية للكتلة الأوروبية .



- أنقذت اليونان من أزمة مالية عميقة كادت أن تعصف بها



-واجهت بشكل غير مسبوق المشاكل الداخلية للمجتمع الألماني ومنها مشكلة البطالة والشيخوخة التي خيمت على ألمانيا واعتُبرت أكبر مشاكل البلاد في السموات الماضية ودلالة ذلك اقتصاديا .



-إزدهرت في عهدها ألمانيا اقتصاديا رغم الأزمات المالية الطاحنة التي مرت بها دول العالم وحققت فائضا تجاريا لم تشهده ألمانيا من قبل .
-استطاعت تقديم حوافز اقتصادية وتقليص ساعات العمل وأطلقت سياسة الفائدة المنخفضة على السندات المالية ، وحققت زيادة كبيرة في الصادرات الألمانية وواجهت النظام التعليمي الذي رأى الجميع أنه في حاجة لنهضة حقيقية .



خروج المستشارة الألمانية من الحياة السياسية الألمانية لن تبكي عليه ألمانيا وحزبها فلطالما خرج منها عظماء سياسيون من مناصبهم وعلى رأسهم كونراد أديناور باعث النهضة الاقتصادية وفيلي برانت المحنك وهيلموت شميت الداهية وجيرهارد شرودر الهادئ وهلموت كول السياسي التاريخي والمحنك الثعلب هانز ديتريش جينشر صانع عودة الألمانيتين للاتحاد مع كول ووزير خارجية ألمانيا الغربية والاتحادية لمدة ٢٥ عاما ..



وسيبحث حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي عن شخصية جديدة للترشح لمنصب زعبم الحزب في ديسمبر المقبل وعلى رأس هؤلاء :
١- الأمينة العامة لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي أنجريد كرامب كارينباور ، والمنتمية للجناح المعتدل في الحزب وتبدو فرصها قوية لخلافة ميركل بفرض توقعات أغلبية أعضاء الحزب .



٢-فريدريش ميرتس المحامي الذي لم يكن مرشحا وكان ميرز رئيس المجموعة البرلمانية المحافظة لكنه لم يتولى أى منصب وزارة. وأدى صعود ميركل للسلطة إلى خروجه من منصبه القيادى عام 2002 وتعتبر أسهمه متواضعة بالمقانة مع كارينباور .



٣- أرمين لاشيت رئيس وزراء ولاية راين فيسفاليا 
كثيرا ما طُرح اسمه كمرشح وكخلف محتمل لميركل من قبل حلفائه، وقد يساعده دعمه لميركل فى الحصول على بعض الأصوات المؤيدة لها.



٤- ينز شبان وزير الصحة الحالي



الذي برز في الماضي ناقداً لميركل وممثلاً للجناح المحافظ في الحزب وإن كانت فرصُه بالفوز بمنصب رئيس الحزب ضعيفة كونه يميل نحو سياسة اليمين المحافظة وهناك مايقر من ثلاثة أرباع أعضاء الحزب ضد توجهاته ..



ومن ثم تتجه المؤشرات إلى كل من الأمينة العامة للحزب أنجريد كارينباور وفريدريش ميرتس .. وإن كانت أسهم كارينباور قوية كونها تحظى بتأييد ميركل ومعظم الأعضاء ولخبرتها الحزبية التي قادتها لأن تكون أمينته العامة ..



فهل تكرر أنجريد كارينباور تجربة أنجيلا ميركل وتصعد رئيسا للحزب في مؤتمره القادم في ديسمبر المقبل ومرشحة للمستشارية لتكون ثاني مستشارة ألمانية من السيدات بعد ميركل أم يعود المنصب إلى الرجال مرة أخرى خاصة أن الاشتراكيين لن يتركوا حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحده في الحلبة السياسية وسيلقون بالطبع بمرشح هم الآخرون أما مرشحة أومرشح حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي خلفا لميركل ...



وفي حقيقة الأمر إن إعلان المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خروجها نهائيا من المسرح السياسى شكّل صدمة لألمانيا ولأوروبا كاملة ، وألقى قرار ميركل هذا باعتزال الحياة السياسية بظلاله على معظم أوروبا التي عبرت عن خشيتها فى أن يساهم انسحاب ميركل فى إضعاف الديمقراطيات الأوروبية.



بل وربطت وسائل الإعلام الأوروبية بين إعلان ميركل الخروج من المسرح السياسى وانتخاب رئيس جديد فى البرازيل ينتمى إلى تيار اليمين المتطرف، جاير بولسونارو ، بأن هذا يدل على الانحراف الرهيب الذى يجرى فى العالم حاليا وكذلك تخوفت من أن العالم القديم يموت، فى حين لم يولد العالم الجديد بعد، وبين هذين تظهر الوحوش فى إشارة منها إلى تراجع الديمقراطيات فى بلدان كثيرة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التى يقودها حاليا دونالد ترامب.



بالتأكيد سيبقى اسم أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا بعد قرارها اعتزال السياسة مسجّلا في صفحات ناصعة من التاريخ السياسي الألماني خاصة أنها شربت من منهل كبار الساسة الألمان السابقين وعلى رأسهم معلّمها الأول هيلموت كول .. واستطاعت بحنكتها وخبرتها أن تقف قوية أمام قادة أمريكيين وأوروبيين وتصعد ببلادها لمصاف الكبار كعادة الألمان ...



ولتُنهي ميركل حقبة سياسية زاهرة لهذه السيدة الأوروبية الحديدية استمرت ثلاثين عاما منذ انتهاء دراستها الكيمياء وانخراطها بالعمل السياسي عام ١٩٨٩ حققت لبلدها وقارتها العجوز الكثير من الإنجازات السياسية والاقتصادية ولتُصَعِّب من المسئولية التي سيحملها مَنْ بعدها في هذا المنصب المهم في ألمانيا وأوروبا ..



أنجيلا ميركل سيدة سياسية حديدية أحبت بلادها وأحبتها بلادها بل لم تُثِر مشكلات طاحنة مع أي بلد ، أحبت الجميع وساهمت في حل مشاكلهم لذلك أحبها الجميع وخسرها الجميع ألمانا وأوروبيين وعربا .. ولتعود إلى منزلها تمارس حياتها العادية التي لم تتغير منذ توليها منصبها علي مدار السنوات الماضية خاصة تجاه رفيق حياتها زوجها الحالي البروفيسور الكيميائي رفيق الدرب يواخيم زاوَرْ الذي تزوجته بعد زيجتها الأولي عام 1977 من الفيزيائي أُولْرِيش ميركل وانتهى هذا الزواج عام 1982 لتتزوج للمرة الثانية من هذا الكيميائي البروفيسور يواخيم زاور الذي تعيش معه حتى الآن ...