ads

مع السلامة يا جميل

حمدي رزق- أرشيفية
حمدي رزق- أرشيفية
حمدي رزق
ads


عادة أبتعد بمسافة عن الغرف البيضاء، وبمسافة أبعد عن غرف العناية المركزة، بالأحرى أتجنب صور الضعف الإنسانى فى لحظات الفراق، ما أصعب الفراق على من جرّب فراق الأحباب، أتعمد الغياب، وألتمس لنفسى الأعذار، وأخشى الوداع الأخير، يا له من كاس عذاب.

ظهر الإثنين كنت على موعد مع فراق حبيب، وكأنى على موعد أخير مع الأستاذ صلاح عيسى، التقيته ولم يلتقنى، حدثته ولم يرد، وغاب بعيداً فى الرحاب وتركنى أتخبط فى غرفة ثلجية بيضاء أكلم نفسى.

كان غادر إلى لقاء ربه سبحانه وتعالى قبل دقائق، لم يحتمل قلبه العليل جرعة إضافية من عذابات السنين، مكتوب أن ألقى عليه النظرة الأخيرة مسجى قبيل الرحيل، قبلته وودعته مع السلامة يا جميل.

عشت ساعات أخيرة مع حبيبة عمره ورفيقة دربه الكبيرة أمينة النقاش، ونحن نستحث الخطى طلبا لسرير رحيم يحتويه غائبا عنا، لم يتأخر المحبون فى رئاسة الجمهورية ولا الشؤون المعنوية عن النداء، استجابوا فى التو واللحظة لطلب نقله، وعندما تقرر نقله من مستشفى السلام الذى دخله غائباً عن الوعى إلى مستشفى المعادى سارعت إلى هناك.

جلست والكبيرة فى «الطابق السفلى» بمستشفى المعادى على الكورنيش نتشاطر ذكريات الأيام الخوالى مع أبوصلاح، ننتظر قدومه فى إسعاف من مستشفى السلام، لم تذق الكبيرة فى يومها سوى الماء القراح، دقائق ووصل أبوصلاح، وتهلل وجهها الحزين، ستلتقى شريك العمر، حبيب القلب، صعدنا مسرعين إلى العناية المركزة لنلقى نظرة على الجميل، ونودعه إلى صباح جديد مشرق بالأمل فى الحياة.

كانت الكبيرة فى شوق لرؤياه، وكلما تأخر اللقاء كانت تستحثنا حتى تراه، كان قلبها حاسس، قلب المحب، قلـوب المحبين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون، وكنت ذاهلا تماماً، فى دنيا تانية، أود لو أغادر المكان الذى يفتح على البرزخ تماماً، ولكن إصرار طبيب العناية المركزية على إبقائى بات مقلقا، والثوانى جمرات فى دمى.

دقائق بطيئة تمر، كنت أسمع خلالها تمتمات الأستاذة أمينة ودعاءها لشريك عمرها، سمعت منها ما سمعته من والدتى وهى توشك أن تفقد من أحبته وعاشت فى رحابه، ومشت الطريق خطوة خطوة فى ظله، بت أعرف معنى الفقد من زوجات رائعات، لو سمع أبوصلاح ما جادت به قريحة حبيبة قلبه لاغتبط كثيراً، ولمضى راضيا فى حبور، فصلتنى تماماً عن الحياة وهى تهمس فى أذنه مسجى فى رحاب الله.. لسه بدرى يا صلاح.

بالدمع جودى يا عين.. قبّلته الحبيبة كثيراً، وودعته كما يحب تماماً، وحكت فى مناجاة مسيرة حياة استمرت نصف قرن من الكفاح، همست فى أذنه بجملته الأثيرة «مع السلامة يا جميل».. حتى فى موته كان جميلاً، وكأنه سيهب من رقدته الأبدية يحتويها فى أعطاف حكيه الجميل، كان حكاء من الحكائين العظام.

واصطحبت الكبيرة إلى خارج الغرفة الثلجية ليبدأ الجميل رحلته الأخروية، جميل حتى فى موته، لم يتعب أحباءه، تعجل الرحيل، فاتنا للألم، تركنا لنكد الحياة، قطع بنا، وترك لنا ذكرى جميلة، مكتوبة فى سطور محفوظة، جميل كان أبوصلاح، والجمال كان عنوانه، وكتابته قطعاً جميلة رائعة راقية، الجمال روح إنسان وأبوصلاح كان إنساناً جميلاً، مع السلامة يا جميل.

نقلًا عن "المصري اليوم"